الشيخ محمد رشيد رضا

335

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وتارة بأوسع التفصيل . والقرآن يبين صفوة الوقائع ومحل العبرة فيها ، لا ترجمة جميع الأقوال بحروفها ، وشرح الاعمال ببيان جزئياتها ، فما يقصه من أمور بني إسرائيل هو الواقع وروح ما صح من كتبهم أو تصحيح ما حرف منها ، وهذه العبارة منه تدل على منتهى التمرد والمبالغة في العصيان والاصرار عليه ، والجفاء والبعد عن الأدب ، فلا وجه لتأويلها بما ينافي ذلك * * * قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي هذا القول من موسى عليه السّلام ، صورته خبر ومعناه انشاء ، فهو من بث الحزن والشكوى إلى اللّه ، والاعتذار اليه والتنصل من فسق قومه عن أمره ، الذي يبلغه عن ربه ، ومعنى العبارة إنني لا أملك أمر أحد أحمله على طاعتك إلا أمر نفسي وأمر أخي ، ولا أثق بغيرنا ان يطيعك في اليسر والعسر والمنشط والمكره . وهذا يدل علي انه لم يكن يوقن بثبات يوشع وكالب على ما كانا عليه من الرغبة والترغيب في الطاعة ، إذا أمر اللّه موسى بأن يدخل أرض الجبارين ويتصدى لقتالهم هو ومن يتبعه ، فان الذي يجرأ على القتال مع الجيش الكثير ، يجوز ألا يجرأ عليه من النفر القليل ، واما ثقته بأخيه فلعلمه اليقيني بأن اللّه تعالى أيده بمثل ما أيده به ، ولو لم يعلم هذا باعلام اللّه ووحيه ، وما يجده من الوجدان الضروري في نفسه ، لكان بلاؤه معه في مقاومة فرعون وقومه ، ثم في سياسة بني إسرائيل معه وفي حال انصرافه لمناجاة ربه ، ما يكفي للثقة التامة . فلفظ « أَخِي » معطوف على « نَفْسِي » وجعله بعضهم معطوفا على الضمير في « إِنِّي » أي وأخي كذلك لا يملك الا نفسه . فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ الفرق الفلق والفصل بين الشيثين أو الأشياء ، ومنه فرق الشعر ، ويطلق على القضاء وفصل الخصومات ، وذلك قسمان حسي ومعنوي ، ومعنى الجملة هنا : فافصل بيننا - يعني نفسه وأخاه - وبين القوم الفاسقين عن الطاعة وهم جماعة بني إسرائيل ، بقضاء تقضيه بيننا ، إذ صرنا خصما لهم وصاروا خصما لنا . وقيل معناها : إذا أخذتهم بالعقاب على فسوقهم فلا تعاقبنا معهم في الدنيا ، وقيل الآخرة . والأول هو المختار الموافق لقوله : * * * قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ أي قال اللّه لموسى